اتهمت منظمة العفو الدولية، سلطات الانقلاب في مصر بالتحريض على عمليات اعتقال جماعية واسعة النطاق للاجئين والمهاجرين، مما أجبر البعض على الاختباء خوفًا من القبض عليهم وترحيلهم إلى بلادهم.

 

وانتشر الخوف بين اللاجئين السودانيين في مصر. وهو ما عزته المنظمة إلى أن السلطات المصرية تنفذ حملات اعتقال جماعي واسعة النطاق منذ أواخر ديسمبر من العام الماضي على الأقل.

 

وفي 16 فبراير، أصدرت المنظمة بيانها الأخير بشأن الوضع. وقالت إن "السلطات المصرية جددت في الأشهر الأخيرة حملتها المتمثلة في الاحتجاز التعسفي والترحيل غير القانوني للاجئين وطالبي اللجوء لمجرد كونهم يقيمون في البلاد بصورة غير نظامية، في انتهاك صارخ لمبدأ عدم الإعادة القسرية وقانون اللجوء المصري".

 

وتقول الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى العاملة مع اللاجئين في مصر إن سوء معاملة بعض فئات اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر مستمر منذ فترة أطول، منذ عام 2024، وطوال معظم عام 2025.

 

ويعد اللاجئون السودانيون والجنوب سودانيين الأكثر تضررًا. ولجأ بعضهم إلى النشر على وسائل التواصل الاجتماعي محذرين من الاعتقالات والاحتجاز التعسفي. ويخشىون أن يكونوا هدفًا للاستهداف بسبب لون بشرتهم، مما دفع بعض المدارس إلى الإغلاق، بينما اضطر آخرون إلى الاختباء.

 

قصة هدى


هدى، لاجئة سودانية تبلغ من العمر 35 عامًا، فرّت من الحرب في بلدها إلى مصر. صرّحت لموقع (إنفو ميجرانتس) بالعربية بأنها تعاني من مرض في القلب ولديها جهاز تنظيم ضربات القلب. ولأنها منفصلة عن زوجها، فهي تعتني بطفليها بمفردها. وبسبب مرضها، تحتاج إلى تناول عدة أدوية يوميًا، بما في ذلك مسيلات الدم.

 

هدى (اسم مستعار) مسجلة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، وتقول إن بطاقتها سارية حتى ديسمبر 2026. ولديها أيضًا مواعيد لدى المفوضية لتجديدها في عام 2027. وأشارت إلى إن كل هذا يجعل وضعها في مصر قانونيًا تمامًا، لكن ذلك لم يمنع اعتقالها في مركز للشرطة.

 

قالت فاطمة (اسم مستعار)، وهي مُدرّسة لغة إنجليزية تعيش في القاهرة وهي ابنة عم هدى، إنها تلقت مؤخرًا اتصالاً منها تُخبرها فيه أنها اعتُقلت، وطلبت منها إحضار أدويتها إلى مركز الشرطة والتأكد من سلامة بناتها.

 

أشارت فاطمة إلى أنها تحمل البطاقة نفسها، ولذلك خافت من دخول مركز الشرطة بنفسها، فطلبت من رجل مصري أن يوصل الأدوية لابنة عمها. وأوضحت أن هدى أخبرتها أن مركز الشرطة الذي أُلقي القبض عليها فيه كان "مزدحماً للغاية"، وأن الكثيرين اضطروا للوقوف أثناء انتظار استجوابهم.

 

وتابعت: "نحن محاصرون في منازلنا. لولا حصول ابنة عمي على دوائها، لكانت قد ماتت. إنه ما يُبقي جهاز تنظيم ضربات قلبها يعمل. هذه الحملات تستهدف السودانيين فقط. تريد الحكومة السودانية عودتنا، مدعيةً أن الحرب قد انتهت، لكن الوضع لا يزال مروعًا وغير آمن. أنا من غرب السودان، ولا توجد رعاية طبية هناك".

 

ترحيل غير قانوني واحتجاز تعسفي


وأكدت منظمة العفو الدولية أن المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والذين يحملون بطاقات مثل هدى وفاطمة هم من بين أولئك الذين يتم "ترحيلهم بشكل غير قانوني أو احتجازهم تعسفيًا في انتظار الترحيل".

 

وبحسب المنظمة، يقوم ضباط شرطة بملابس مدنية باعتقال مواطنين من سوريا والسودان وجنوب السودان ودول أخرى من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بشكل تعسفي من الشوارع وأماكن عملهم في المدن، وذلك بعد التحقق من هوياتهم. 

 

وأشارت إلى أن حتى حاملي بطاقات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يُقتادون في سيارات غير مميزة إذا تبين عدم حيازتهم تصريح إقامة ساري المفعول.

 

وصرح محمود شلبي، الباحث في منظمة العفو الدولية والمتخصص في شؤون مصر وليبيا، قائلاً: "خوفًا من الاعتقال والترحيل، اضطرت العائلات إلى الاختباء في منازلها، تعيش في حالة من عدم اليقين، وغير قادرة على الحصول على عمل أو تعليم. ويكافح الكثيرون من أجل البقاء بعد اعتقال أو ترحيل المعيل الرئيسي للأسرة".

 

ودعت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى "الإفراج الفوري عن جميع اللاجئين وطالبي اللجوء المحتجزين تعسفيًا لأسباب تتعلق بالهجرة فقط، ووقف عمليات ترحيل أي شخص يحق له الحصول على الحماية بموجب القانون الدولي".

 

وأفادت منظمة العفو الدولية بأنها وثّقت، بين أواخر ديسمبر و5 فبراير من هذا العام، اعتقالاً تعسفيًا من قبل قوات الأمن لما لا يقل عن 22 لاجئًا وطالب لجوء، بينهم طفل وامرأتان. 

 

وأوضحت أن بعضهم اقتيد من منازلهم، وآخرين من الشوارع أو من نقاط التفتيش الأمنية. وأشارت إلى أن 15 فردًا من المعتقلين مسجلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

 

قصة  أبو أمين

 

وأبرزت وكالة فرانس برس في وقت سابق هذا الأسبوع قصة رجل يدعى "أبو أمين"، والذي غادر إلى عمله قبل أكثر من أسبوعين، ولم تره عائلته منذ ذلك الحين.

 

وأفادت عائلة أمين أنه كان يعمل في مطعم بمصر. وقالت زوجته للوكالة: "لا نعلم إن كان حيًا أم ميتًا". وتعتقد العائلة أن أمين اعتُقل خلال حملة تفتيش صباحية في حيهم، وهو حي يقطنه عدد كبير من السودانيين.

 

وكان أمين يعيش في القاهرة مع زوجته وأطفاله الثلاثة منذ عام 2022. وقالت زوجته: "هو المعيل الوحيد للأسرة، ولا أعرف ماذا أفعل الآن. لم يكن يذهب إلى أي مكان بدون بطاقة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين".

 

تكاليف رحلات العودة إلى الوطن


وأثناء محاولتها تأمين إطلاق سراح زوجها، تقول زوجة أمين إن السفارة السودانية أخبرتها أنه يمكن إعادته إلى السودان إذا دفعوا حوالي 13 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ لا تستطيع تحمله.

 

وأكد المسؤولون بالسفارة السورية في مصر أن هذا الأمر يبدو أنه يحدث لبعض أفراد الجالية السورية في مصر أيضًا. ونصحت جميع السوريين بحمل وثائق الإقامة واللجوء الخاصة بهم معهم في جميع الأوقات.

 

وقال محامي أحد اللاجئين السوريين لوكالة "فرانس برس"، إنه تم اعتقاله قبل ستة أيام فقط من موعد تجديد إقامته، وإنه "ما لم تشترِ له عائلته تذكرة طيران إلى سوريا، فسيظل محتجزًا إلى أجل غير مسمى".

 

ويوجد أكثر من مليون لاجئ مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، وهناك عدد أكبر ينتظر التسجيل الرسمي.

 

صعوبة الحصول على مواعيد 


وقالت منظمة العفو الدولية إن المواعيد لتجديد أو التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ولدى سلطة الهجرة المصرية يتم تحديدها الآن في عامي 2027 و2029، مما يخلق نوعًا من "الوضع غير النظامي القسري"، حيث سيضطر الناس إلى العيش بدون تصريح لعدة أشهر أو سنوات، حتى يحين موعدهم.

 

وقالت أمل رحال، مؤسسة جمعية خيرية سودانية في مصر، لوكالة "فرانس برس"، إن العديد من أفراد الجالية السودانية لا يغادرون منازلهم إلا للضرورات القصوى. ويقوم متطوعون بتوزيع وجبات مجانية على العائلات التي تخشى مغادرة منازلها، وقد توقف بعضهم عن الذهاب إلى العمل أو إرسال أطفالهم إلى المدارس.

 

وصرح كريم عنارة، رئيس قسم الأبحاث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بأن منظمته أحصت نحو 5 آلاف لاجئ تم اقتيادهم إلى مراكز الشرطة المكتظة خلال أسبوعين فقط مؤخرًا. وادعى أن هذه الاحتجازات أدت بالفعل إلى وفاة شخصين، أحدهما طفل.

 

وقالت منظمة غير حكومية أخرى، هي منظمة "هيومن رايتس كونسيرن إريتريا"، إن حوالي 3 آلاف مواطن إريتري محتجزون حاليًا في مصر، وقد أدلى بعضهم بشهادات حول سوء المعاملة.

 

ورفضت السلطات المصرية طلب وكالة فرانس برس للتعليق.

 

بيئة معادية للاجئين


قال عنارة إنه يعتقد أن الحملة تهدف إلى "خلق بيئة معادية للاجئين"، وذلك أيضاً لردع الوافدين الجدد. وقد يعود ذلك إلى أن مصر نفسها تعاني من أزمة اقتصادية.

 

وأشار إلى أنه يعتقد أن السياسات المتزايدة المناهضة للهجرة التي تُتبع في مصر قد تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـ"دعم الاتحاد الأوروبي لمصر في ملف الهجرة"، وذلك في أعقاب الاتفاقية الأخيرة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ومصر. ونصت هذه الاتفاقية على تقديم 7.4 مليار يورو كمساعدات لمصر، مقابل إدارة أكثر صرامة للهجرة.

 

وفي نهاية يناير، أكد السفير السوداني لدى القاهرة، في مؤتمر صحفي، أن 207 مواطنين سودانيين أُعيدوا من مصر في ديسمبر 2025، و371 آخرين في يناير 2026. 

 

ولم يوضح السفير ما إذا كانت هذه عمليات ترحيل نفذتها قوات الأمن، أم أن هؤلاء الأفراد أُجبروا على العودة إلى بلادهم عبر برامج منسقة بين السفارة السودانية والسلطات المصرية. 

 

وأضاف السفير السوداني أنه في نهاية يناير، احتُجز نحو 400 مواطن سوداني في مصر، دون توضيح أسباب هذا الاحتجاز.

 

قصة أمينة


قالت أمينة، وهي أم سودانية عزباء تبلغ من العمر 49 عامًا، لمنظمة العفو الدولية إنها اضطرت إلى التسول في الشوارع لإعالة ابنتيها بعد أن تم اعتقال معيل الأسرة، ابنها معاذ، في حملة قمع حديثة.

 

وأضافت أن معاذ احتُجز في 28 يناير، على الرغم من كونه طالب لجوء مسجلاً لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وذكرت الشرطة أنه كان يبيع في الشارع دون تصريح إقامة ساري المفعول، وكان من المقرر تجديده في عام 2027.

 

ودعت منظمة العفو الدولية الاتحاد الأوروبي إلى حث الحكومة المصرية على اتخاذ "تدابير ملموسة وقابلة للتحقق لحماية حقوق اللاجئين والمهاجرين". 

 

وشددت على ضرورة أن يوسع الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى "فرص إعادة التوطين، وأن يخلق مسارات آمنة ومنتظمة للأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية، بما في ذلك التأشيرات الإنسانية، وبرامج تنقل العمال والطلاب، ومبادرات الكفالة المجتمعية".

 

https://www.infomigrants.net/en/post/70042/egypt-fears-of-mass-detention-sweeps-are-pushing-refugees-into-hiding